منتديات التعليم العامة ( تعليم،برامج ، دين ، ثقافة ، رياضة )
 
الرئيسيةس .و .ج200التسجيلدخول

شاطر | 
 

 القطيعة في النقد العربي المعاصر الكاتب / ناظم عودة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بولنوار
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد الرسائل : 262
الموقع : بينكم
المزاج : هادئ جدا جدا
تاريخ التسجيل : 22/06/2008

مُساهمةموضوع: القطيعة في النقد العربي المعاصر الكاتب / ناظم عودة   الجمعة يوليو 18, 2008 8:02 pm

قد يكون من المدهش ، أنْ يتضمن مفهوم القطيعة دلالة متناقضة على الرغم من أنه ليس من أضداد اللغة، فثمة من يرى فيه تواصلاً مع التراث، وبعثاً له، وثمة من يرى فيه تحييداً وانقطاعاً. إذْ يذهب الفريق الأول إلى أنّ ( الاختلاف) أو عدم الاتفاق مع منظور التراث، هو من صميم ( القطيعة) التي تؤسس منظوراً جديداً يقوم التراث فيه بدور تأصيل الفكر الثقافي الجديد، لا إعادة إنتاج الأفكار مرة أخرى. وهذا هو موقف معظم أقطاب الحداثة العربية، الداعين إلى تبنّي القطيعة في ( التفكير) وفي ( طرائقه)، بعد تحوّل الثقافة العربية في أغلب وجوهها إلى ثقافة شارحة، فقهية، بمعنى أنها تدور في فلك الزخرفة اللغوية، أو الشطارة في فقه الألعاب اللغوية، وما فيها من توريات، ومجازات، وبلاغات لا تُثمر عن إيقاع صدمة في أعصاب الثقافة الراكدة.

وهكذا وجد الدكتور عبد العزيز حمودة، أحد أبرز منتقدي مشروع الحداثة العربية، أنّ هذا المشروع يمثل قطيعة لا نهائية مع التراث، وهو ما يجعل منه مشروعاً مشكوكاً في أهدافه، إذْ قال ما نصّه: لم يكن العقل العربي في يوم من أيام اتصاله بالثقافة والحضارة الغربيتين أكثر انبهاراً بهما مما هو اليوم، ومنذ بداية الثمانينيات على وجه التحديد، وهو انبهار أعمى الحداثيين العرب عن إدراك الاختلافات، من ناحية، ودفعهم بسبب إيمانهم بضرورة تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي كشرط لتحقيق الحداثة، إلى احتقار التراث من ناحية ثانية، ثم الوصول بالتبعية الثقافية للغرب إلى أبعد نقطة فيه من ناحية ثالثة (المرايا المقعرة/ص37). ولكن على الرغم من وجاهة هذه الفكرة، إلا أنّ حمودة لم يكن بوسعه أنْ يضع يده على كيفية الحوار المقترح مع التراث، واندرجت كثير من أفكاره في سياق النقد السجالي، ولم يجرؤ على اقتراح صيغة نظرية بديلة عن النظريات الغربية المزعجة له ولآخرين غيره؛ لأنّ المسألة لا تتعلق هنا بالدعوة إلى قطيعة مع الفكر الغربي وثقافته، إنما عجز العقل العربي الحديث عن تمثّل عناصر ثقافته خير تمثّل، ومن ثمّ وضع النظريات والمفاهيم القادرة على توصيف هذه الثقافة، ووضع قوانينها، ووسائل تحليلها.

وإذا كان الغرب قد أنتج ( نظرية القطيعة) مع تراثه الإغريقي واللاتيني، استناداً إلى ميراث كبير من الصراع الاجتماعي مع الفكر الكنسيّ، ذي الروابط المتينة مع التراث الكلاسيكي الغربي، فإنّ العرب لم يكن بوسعهم الذهاب بهذه النظرية إلى أقصى حدّ ممكن، كما فعل الغرب. فالمسألة لا تتعلق بالثقافة، بقدر تعلقها برؤية اجتماعية شاملة، وَجَدَتْ في هذه القطيعة تكريساً لهوية انطولوجية موسومة بطابع الزمان والمكان المعاصرين. وكلّ ما يترتب على هذه القطيعة، إنما هو (إبداع) بكلّ المقاييس. ونظراً لذلك، فإنّ (ثقافة القطيعة) التي انتعشت في الغرب منذ أيام النهضة الأوربية، كانت نتيجة لمقدمة صراع اجتماعي مرير، تمخّض عن ميلاد هذه الثقافة، التي أنتجت نماذج ثقافية أصيلة، لم تكرّر التجارب السابقة، ولم تعمل على إعادة الأفكار القديمة ببلاغة جديدة، إنما وضعت بصمتها على كلّ عمل ثقافي. وهذا ما لم يكن فعله في الثقافة العربية، ومردّه إلى افتقارنا إلى رؤية اجتماعية، تفهم القطيعة على أنها مغامرة تأسيس (نموذج انطولوجي) جديد، لا يكترث بتقديس النماذج والآثار التراثية، بل يسعى حثيثاً إلى ترسيخ ثقافة (عقلانية)، و(نقدية جذرية)، و(تنويرية)، و(مغامرة) في تأسيس نماذج الهندسة الأولى.

إنّ الخطاب النقدي العربي المعاصر، إنما هو ضحية هذه الإشكالية الاجتماعية، والثقافية، فهو لا يستطيع أن يغرّد خارج السرب الثقافي الذي دُجِّنَ لعقود طويلة. فحقيقة الفكر الثقافي عندنا، أنه (فكر مؤسسات)؛ المثقف يفكّر من خلال فكر جمعي، وصل إليه، أو أُرغِمَ عليه، ولا دخْلَ لفكره الفردي في تكوين خطابه الثقافي. فهو يفكر عبر مفاهيم وأفكار هي من الزيّ الثقافي الذي بات رمزاً لتدفق الموضات الثقافية، حتى أنّ بعضهم يتزيّا وهو عارف بكراهيته لهذا الزيّ، وهذا ما يفسّر لنا تقلبات عدد من النقاد العرب بين أكثر من منهج نقديّ، كما هو حال الدكتور عبد الله الغذامي في تقلباته النظرية. وسوف يبقى النقد الأدبي عندنا على هذه الحال، نظراً لعدم التفريق بين المنهج، والنظرية، فإذا جاز في الأول الجمع بين أكثر من منهج، فلا يبدو مستساغاً الجمع بين أكثر من نظرية في آن واحد، فليس معقولاً الإيمان بالشيء ونقيضه في آن معاً. بيد أنّ من المسائل الإشكالية في النقد العربي المعاصر، المزاوجة بين مجموعة من الأفكار غير المتجانسة، وتوظيفها في معالجة ظواهر نصية. لقد وجدت في دراسة سابقة، أنّ سعيد الغانمي في أحدث كتبه النقدية، كان ضحية خليط من الأفكار النظرية المتعارضة، التي تنمى إلى أكثر من منهج، وأكثر من نظرية. وأفضى به ذلك إلى الوقوع في تناقضات ومغالطات في تطبيقاته في الكتاب الذي حمل عنواناً إشكالياً (منطق الكشف الشعري) وضّحته تفصيلياً في دراستي الآنفة. وينطبق هذا على الناقد المغربي محمد مفتاح، الذي زعم أنه يقدّم دراسات نقدية تطبيقية، فإذا به يشمّر عن ساعديه ليجد أساساً إجرائياً للمفاهيم، واختبار مصداقيتها، دون أنْ يُشغَل بأفكار النصّ الأدبي، والكشف عن نصوصيته، وقيمته الفكرية والجمالية.

إنّ مأزق المفاهيم ، مأزق غير محسوب، وعلى الرغم من نضارة زيّها النظري، إلا أنها تودي بصاحبها إنْ لم تكن أصيلةً، ونابعة من النصّ والسياق الثقافي. ولذلك كان كمال أبو ديب ضحية تزييه بمفاهيم بعيدة كلّ البعد عن مشكلات النصّ، ومقاصده الجوهرية، وعن السياق الثقافي الكفيل بإنضاج المفاهيم والنظريات.

_________________
معا من أجل منتدى جميل و مفيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://boulanouar.yoo7.com
 
القطيعة في النقد العربي المعاصر الكاتب / ناظم عودة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الأنوار :: منتدى التعليم الجامعي :: دراسات ومقالات جامعية في كل التخصصات-
انتقل الى: